ابن عربي

81

فصوص الحكم

فهمنا للنظرية العامة التي وصفها ابن عربي ( راجع مثلا شرح القيصري ص 148 ، وشرح القاشاني ص 166 ، وقارن ما ذكره الجرجاني في التعريفات ص 61 ) . وتشبه هذه الحضرات من بعض الوجوه الفيوضات الأفلوطينية ، وهي مرتّبة ترتيباً تنازلياً بحيث إن كل حضرة من الحضرات ينعكس عليها ما في الحضرة التي فوقها وينعكس ما فيها هي في الحضرة التي دونها . وقد يكون للأشياء وجود في حضرة من الحضرات العليا ولا يكون لها وجود في الحضرات الدنيا ، وقد يكون للشيء وجود في جميع الحضرات . فإذا قلنا إن العارف يخلق بهمته شيئاً من الأشياء ، كان معنى هذا أنه يُظْهِر في حضرة الحس شيئاً له وجود بالفعل في حضرة أخرى أعلى منها - لا أنه يخرج إلى الوجود شيئاً لم يكن موجوداً من قبل . فهو بتركيزه همته في صورة شيء من الأشياء في حضرة من الحضرات يستطيع أن يخرجها إلى حيز الوجود الخارجي في صورة محسوسة ، وبحفظه لصورة شيء في حضرة من الحضرات العلوية يحفظ صورته في الحضرات السفلية . والعكس صحيح أيضاً : أي أنه إذا حفظ بقوة همته صورة شيء في حضرة من الحضرات السفلية ، يحفظ صورة ذلك الشيء في حضرة علوية ، فإن بقاء المعلول يقتضي بقاء علته . ولهذا قال : « فإذا غفل العارف عن حضرة ما - أو عن حضرات - وهو شاهد حضرة ما من الحضرات ، حافظ لما فيها من صورة خلقه ، انحفظت جميع الصور بحفظه تلك الصورة الواحدة في الحضرة التي ما غفل عنها » . ويفسر ابن عربي قوة الخلق عند الله على هذا النحو أيضاً - إلا أن الفرق بين خلْق الله وخلْق الإنسان هو أن الإنسان لا بدّ أن يغفل عن واحدة أو أكثر من واحدة من الحضرات الخمس ، في حين أن الله لا يغفل عن مشاهدة صور ما يخلق من الأشياء في أية حضرة من الحضرات . هكذا تصور ابن عربي مسألة الخلق الصادر عن الله أو عن أي إنسان منحه